محمد علي التهانوي

1258

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

تعالى ، ولا يخبره لأنّه لو أخبره اشتغل قلبه بذلك كذا في النوازل « 1 » . الغيرية : [ في الانكليزية ] Otherness [ في الفرنسية ] Alterite وكذا التغاير هو كون كلّ من الشيئين غير الآخر ويقابله العينية وهو ليس نفس الاثنينية بل تصوّره ليس مستلزما لتصوّرها ، فإنّ الاثنينية كون الطبيعة ذات وحدتين ، ويقابلها كون الطبيعة ذات وحدة أو وحدات ، وحينئذ لا يتصوّر بينهما واسطة . فالمفهوم من الشيء إن لم يكن هو المفهوم من الآخر فهو غيره وإلّا فعينه . والشيخ الأشعري أثبت الواسطة وفسّر الغيرية بكون الموجودين بحيث يقدّر ويتصوّر انفكاك أحدهما عن الآخر في حيّز أو عدم ، فخرج بقيد الوجود المعدومات فإنّها لا توصف بالتغاير عنده بناء على أنّ الغيرية من الصّفات الوجودية ، فلا يتّصف بها المعدومان ، ولا موجود ومعدوم ، وخرج الأحوال أيضا إذ لا يثبتها فلا يتصوّر اتصافها بالغيرية ، وكذا ما لا يجوز الانفكاك بينهما كالصفة مع الموصوف والجزء مع الكلّ فإنّه لا هو ولا غير ، فإنّ الصفة ليست عين الموصوف ولا الجزء عين الكلّ وهو ظاهر ، وليسا أيضا غير الموصوف ولا غير الكلّ إذ لا يجوز الانفكاك بينهما من الجانبين وهو ظاهر معتبر عندهم في الغيرين . وقيد في حيّز أو عدم ليشتمل المتحيّز وغيره . فالجسمان الموجودان في الخارج إذا فرض قدمهما كانا متغايرين بالضرورة قالوا دلّ الشرع والعرف واللّغة على أنّ الجزء والكلّ ليسا غيرين ، فإنّك إذا قلت ليس له عليّ غير عشرة يحكم عليك بلزوم الخمسة . فلو كان الجزء غير الكلّ لما كان كذلك وكذا الحال في الصفة والموصوف . فإذا قلت ليس في الدار غير زيد ، وكان زيد العالم فيها فقد صدقت . ولو كانت الصفة غير الموصوف لكنت كاذبا . وردّ بأنّ في الصورة الأولى يحمل الغير على عدد آخر فوق العشرة ، وفي الصورة الثانية يراد غيره من أفراد الإنسان ، وإلّا لزم أن لا يكون ثوب زيد غيره . ولا يخفى عليك أنّ استدلالهم بما ذكروه يدلّ على أنّ مذهبهم هو أنّ الصفة مطلقا ليست غير الموصوف ، سواء كانت لازمة أو مفارقة . وقيل إنّهم ادّعوا ذلك في الصفة اللازمة بل القديمة بخلاف سواد الجسم فإنّه غيره . قال الآمدي ، ذهب الشيخ الأشعري وعامة الأصحاب إلى أنّ من الصفات ما هي عين الموصوف كالوجود ، ومنها ما هي غيره ، وهي كلّ صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونه خالقا ورزاقا ونحوهما . ومنها ما لا يقال إنّه عين ولا غير وهي ما يمتنع انفكاكه عنه بوجه كالعلم والقدرة وغير ذلك من الصفات النفسية للّه تعالى . ويردّ عليهم الباري تعالى مع العالم لامتناع انفكاك العالم عنه في العدم لاستحالة عدمه تعالى ، ولا في الحيّز لامتناع تحيّزه وأجيب بأنّ المراد جواز الانفكاك من الجانبين في التعقّل لا في الوجود . ولذا قيل الغيران هما اللذان يجوز العلم بواحد منهما مع الجهل بالآخر ، ولا يمتنع تعقّل العالم بدون تعقل الباري ، ولذلك يحتاج إلى الاثبات بالبرهان ، وهذا الجواب إنّما يصحّ إذا ترك قيد في عدم أو حيّز من التعريف واعلم أنّ قولهم لا هو ولا غير مما استبعده الجمهور جدا فإنّه إثبات الواسطة بين النفي والإثبات ، إذ الغيرية تساوي نفي العينية . فكلّ ما ليس بعين فهو غير ، كما أنّ كلّما هو غير فليس بعين . ومنهم من اعتذر عن ذلك بأنّه نزاع لفظي راجع إلى الاصطلاح فإنّهم اصطلحوا على أنّ الغيرين ما

--> ( 1 ) النوازل في الفروع للإمام أبي الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي الحنفي ( - 376 ه ) كشف الظنون ، 2 / 1981 .